وتبادل المشاركون وجهات النظر بشأن السبل الكفيلة بتمكين الدول الإفريقية من بلورة سياسات صحية تستند إلى أولوياتها الوطنية، وبياناتها العلمية، وواقعها الصحي، مع تعزيز التعاون الإقليمي وتطوير القدرات البحثية في القارة.
سيادة صحية تنطلق من الواقع الإفريقي
أكد المتدخلون أن مفهوم السيادة الصحية لا يعني الانعزال عن المجتمع الدولي، وإنما قدرة الدول الإفريقية على رسم سياساتها الصحية استنادا إلى معطياتها المحلية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من المعارف والأدلة العلمية الدولية.
وفي هذا السياق، أوضحت البروفيسور "إيمان قنديلي" أن الحديث عن السيادة الصحية في إفريقيا لا يعني الانغلاق، بل يقتضي الاعتماد على معطيات علمية وأبحاث تتوافق مع الواقع المحلي، بما يتيح وضع سياسات صحية فعالة ومبنية على أسس علمية.
وشدد المشاركون على أهمية تطوير أبحاث تراعي الخصوصيات الوبائية والديموغرافية والثقافية لكل بلد، حتى تستند القرارات العمومية إلى معطيات علمية تعكس واقع المجتمعات الإفريقية.
الحد من المخاطر كمقاربة شاملة للصحة العامة
ورأى المتدخلون أن الحد من المخاطر يمثل مقاربة تتجاوز بكثير مسألة التدخين، إذ يشمل أيضا الأمراض غير السارية، والإدمان، والصحة النفسية، والسلامة الغذائية، والتغيرات المناخية، فضلا عن الأمراض المعدية.
وأكدوا أن سياسات الوقاية ينبغي أن تصاغ بما يتلاءم مع الخصوصيات الإفريقية، ولا سيما في ظل التركيبة السكانية الفتية التي تتميز بها القارة، مع مراعاة العوامل الثقافية والاجتماعية المؤثرة في السلوكيات الصحية، بما يضمن فعالية أكبر لبرامج الوقاية وتعزيز الصحة العامة.
الدور المحوري للبحث العلمي الإفريقي
دعا عدد من الخبراء إلى تعزيز البحث العلمي داخل القارة الإفريقية، بما يتيح إنتاج معطيات علمية تعكس خصوصيات السكان في إفريقيا. وفي هذا السياق، أعرب الدكتور "سامبا كور سار" عن أسفه لما وصفه بـ "عدم توظيف الكفاءات العلمية الإفريقية بالشكل الكافي لإيجاد حلول محلية"، داعيا إلى تعبئة أكبر للخبرات العلمية الإفريقية لمواجهة التحديات التي تواجه القارة.
وأوضح المتدخلون أن التوصيات الدولية تستند في كثير من الأحيان إلى دراسات أُنجزت في سياقات مختلفة، وهو ما قد يحد من مدى ملاءمتها للبلدان الإفريقية. ودعوا إلى تطوير أبحاث ودراسات محلية تسهم في توجيه السياسات العمومية على أسس علمية تتلاءم مع الواقع الوطني لكل بلد.
أولويات صحية تختلف من بلد إلى آخر
وأكد المتدخلين أن التحديات الصحية تختلف بشكل كبير بين الدول الإفريقية، إذ لا تتوزع الأمراض، مثل الملاريا والسل والأمراض المزمنة وبعض الأمراض المعدية، بالمعدلات نفسها في مختلف مناطق القارة.
وفي هذا السياق، أوضح البروفيسور "محمد بنخيال" أن "لكل بلد أولوياته الصحية. ففي السنغال، تشكل الملاريا التحدي الأبرز، بينما نواجه في ليبيا مرض السل"، مشدددا على ضرورة وضع استجابات تتلاءم مع الاحتياجات الخاصة بكل دولة.
واعتبر المتدخلون أن هذا التنوع يفرض اعتماد استراتيجيات وطنية متمايزة، مع تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية التي تواجه تحديات صحية متشابهة.
بناء سيادة دوائية ولقاحية
سلطت الجلسة الضوء على المبادرات الإفريقية الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية واللقاحات. وأشار المتدخلون إلى الجهود التي تقودها الوكالة الإفريقية للأدوية (AMA) والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، إلى جانب المبادرات الرامية إلى تحديد "الدول الرائدة" القادرة على دعم تطوير القدرات الصناعية والعلمية على المستوى الإقليمي. واعتبروا أن هذا التعاون من شأنه أن يعزز، تدريجيا، استقلالية القارة في مجال إنتاج الأدوية واللقاحات.
دور الخبراء في صياغة السياسات العمومية
أكد المشاركون أن للخبراء والعلماء دورا محوريا في تزويد صناع القرار والمجتمعات بالمعلومات والمعطيات العلمية.
وفي هذا الإطار، أكد البروفيسور "أمن الله المسعدي" قائلا أن :"الموارد البشرية هي الرأسمال الحقيقي لبلداننا... وعلى الخبراء أن ينتجوا بياناتنا وأبحاثنا الخاص"، معتبرا أن إنتاج معرفة علمية تستجيب للخصوصيات الوطنية يمثل شرطا أساسيا لوضع سياسات عمومية فعالة.
وأوضح المتدخلون أن مسؤوليتهم تتمثل في إنتاج بيانات علمية موثوقة، وإنجاز أبحاث تتلاءم مع السياقات الوطنية، والمساهمة في إعداد توصيات تستند إلى الأدلة العلمية لتوجيه السياسات العمومية.
إدماج الحد من المخاطر المرتبطة بالتدخين ضمن استراتيجية للصحة العامة
كما تناولت المناقشات السياسات المتعلقة بالتدخين، حيث شدد المتدخلون على أن الوقاية من بدء التدخين ومواكبة المدخنين نحو الإقلاع عنه يظلان الهدفين الرئيسيين.
غير أنهم اعتبروا أن استراتيجيات الحد من المخاطر والبدائل الخالية من الاحتراق تستحق الدراسة ضمن سياسات الصحة العامة بالنسبة للبالغين الذين يواصلون التدخين، شريطة أن تستند إلى معطيات علمية وأن تراعي الخصوصيات المحلية.
تعزيز تقبل البدائل من خلال المعلومة
وفي ختام الجلسة، أكد المتدخلون أن مدى تقبل البدائل الخالية من الدخان يرتبط أساسا بجودة المعلومات المتاحة.
ودعوا إلى توفير معلومات علمية دقيقة وشفافة وموضوعية لفائدة مهنيي قطاع الصحة وعموم المواطنين، بما يمكنهم من اتخاذ قرارات مستنيرة، ويسهم في تعزيز تبني استراتيجيات الحد من المخاطر.
.jpeg)
إرسال تعليق