تنزل الستارة.. تخفت الأضواء.. ويهدأ الضجيج.. القاعات والساحات والمطاعم، وأروقة الفنادق التي كانت قبل ساعات قليلة تمتلئ حياة وحركة، تغرق في صمت الاختتام..
عند ساعات الفجر الأولى، تنطلق الوفود أسرابا من طيور حلم وإبداع، كل باتجاه مقصده داخل المغرب أو خارجه.. يغادرون وجدة الجميلة، لكنها لا تغادرهم، ففي الأفئدة حنين لما كان، وشوق لموعد تهفو القلوب إلى أن يتجدد سريعا…
أحزم حقيبتي مثل كل المغادرين، وفي النفس يعتمل السؤال: ماذا بقي من المهرجان بعد أن أسدلت ستائره؟
أبتسم بيني وبين نفسي: بقي الكثير الكثير..
بقيت كل تفاصيل تلك الأيام التي مرت كحلم جميل ليته لا ينتهي.. شريط ذكريات تتلألأ ومضات سريعة مثل نجوم الليل.. وجوه، وضحكات، ولقاءات بعضها سريع، وبعضها أطول قليلا، كلما سنح بذلك إيقاع المهرجان وفعالياته المتلاحقة.. صداقات تتأسس بلا تكلّف، لكنها على زمنها العابر، ستبني ودّا لا ينقطع..
وأنا باتجاه قاعة المغادرة في المطار، باتجاه أكادير، أجر حقيبتي بيد، وبالأخرى، أطل سريعا على هاتفي، فإذا هي رسائل لطيفة تتدافع وراء بعضها، محملة بعبق الامتنان والمحبة لمهرجان يزداد أناقة دورة بعد أخرى، ولمدينة لا يغادرها زائرها دون أثر محبة وشوق، وساكنة تحتضن العالم بلطف لا يضاهى، وبلد جعل من أرضه ومواعيده الثقافية ساحة للتعارف والتعايش والاحترام الأصيل.
صحيح أن المهرجان، هو في بعض جوهره، مسابقات ومنافسة بين المبدعين السينمائيين، وتكريم للفائزين والمتألقين، وجوائز وندوات، وذاك دأب كل مهرجان من هذا الطراز. لكنني حين أتحدث، شخصيا، عن مهرجان وجدة، فالأمر عندي أعمق وأبعد.. إنه ذلك الجمع الجميل بين الحضارات والثقافات، إنه تلك اللحظات الصادقة التي يعيشها أهله وجمهوره والقائمون عليه، وتلكم المشاعر العميقة التي لا تسجلها الكاميرات، ولا تصل إليها عدسات المصورين.
في هذه الدورة التي ودّعنا، اجتمعت ثقافات من عشرين دولة، وأكثر من مئة وخمسين ضيفاً، من الشرق والغرب، ومن تجارب ولغات وخلفيات مختلفة.
خلال أيامه الستة تقلصت المسافات بين النجوم والجمهور، بين الضيوف والمنظمين، بين المتوَّجين والصحفيين، بين زوار وجدة وساكنتها.. فكأن الحدث حفل عائلي في كل بيت، وكأن مسرح محمد السادس فضاء بحجم مدينة!.
كل يوم كان يشبه عرساً مغربياً كبيراً.
حول مائدة واحدة، يتحلق الجميع، وتلك صورة، بالنسبة إليّ، تختصر الكثير من روح المهرجان.
في تلك اللحظات، تتوارى الألقاب خلف سنديانة وارفة الظلال اسمها: الإنسان.
وهنا تكمن، في رأيي، إحدى أجمل حكايات مهرجان وجدة.
وجدة، تلك الحاضنة الثقافية العريقة، والجذور الضاربة في الثقافة والروح المغربية الأصيلة.
فهذه المدينة الهادئة الراقية المضيافة ليست مجرد مكان يحتضن المهرجان، بل هي جزء أصيل من الحكاية.
يفتح أهلها بيوتهم وقلوبهم لضيوفهم، والشباب يقتربون أكثر دورة بعد أخرى، يحضرون، يسألون، يشاركون، يلتقطون الصور، ويتعرفون إلى فنانين كانوا يرونهم فقط عبر الشاشة.
فأيام المهرجان لم تعد بالنسبة إليهم مجرد حدث يمر في المدينة، بل أصبحت مساحة لهم، وبهم، يحضرونها جمهور أوفياء، ويصنعون لحظاتها الجميلة، وذاك أمر يعني لي الكثير، لأنه أثر باق، لموعد يتجدد ويترسخ كل عام.
وحتى الزيارات الإنسانية التي نقوم بها خلال المهرجان، إلى دار الفتاة أو دار العجزة وغيرها، كلها تذكرنا دائماً بأن قيمة أي تظاهرة لا تقاس فقط بما يحدث فوق الخشبة، وإنما بما تتركه في قلوب الناس.
وما مهرجان وجدة، قبل ذلك وبعده، إلا مرآة تعكس بعضا من وجه المغرب الجميل، في رقيه ورفعته، وعمله الإنساني الدؤوب، بهدوء الواثق بنفسه، وإصرار صاحب العزم الذي لا يكل.
خلال التحضير لكل دورة، نتواصل مع وزارات ومؤسسات وإدارات وسفارات ومصالح مختلفة، وفي كل مرة أكتشف أن وراء نجاح أي موعد كبير شبكة واسعة من الأشخاص الذين يقوم كل واحد منهم بدوره، فقط لأنهم يريدون أن تنجح هذه التظاهرة وأن تظهر بلادهم في أجمل صورة.
وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، التي نجد منها سنة بعد سنة الدعم والمواكبة، والمصالح التي تساعد في تسهيل الإجراءات المرتبطة بضيوفنا.
المكتب الوطني للمطارات، سواء في مطار محمد الخامس بالدار البيضاء أو في مطار وجدة، حيث لمسنا من المسؤولين والعاملين هناك تعاوناً كبيراً وحرصاً حقيقياً على استقبال الضيوف ومواكبتهم وتسهيل مهمتنا.
والسفارات التي نتواصل معها من أجل ضيوف يأتون من بلدان مختلفة، والتي لا تكتفي بمواكبة الإجراءات، وإنما تظل قريبة من مواطنيها وضيوفها، حريصة على أن يكون حضورهم في المغرب وفي المهرجان في أفضل الظروف.
وهنا لا يمكنني أن أمر مروراً عابراً على الحضور الإماراتي في هذه الدورة.
كانت الإمارات العربية المتحدة ضيفة شرف المهرجان، وكان حضور سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة ومواكبتها ودعمها للسينما الإماراتية ولضيوفها له أثر كبير في إنجاح هذه المشاركة.
شكراً لسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة على هذا الدعم وهذه الروح الجميلة.
وكذلك سفارة جمهورية مصر العربية، التي واكبت حضور ضيوفها، وكان لسعادة السفير حضور خاص بيننا، ومواكبته للعرض المصري وحضور الفنانة الكبيرة صابرين ضيفة المهرجان، ما أضاف الكثير إلى هذه الدورة.
وهكذا تصبح السفارات جزءاً من الحكاية، لا مجرد جهات بروتوكولية.
والمركز السينمائي المغربي، ووزارة الثقافة، والمؤسسات الإعلامية المغربية والدولية التي تواكب المهرجان وتشجعه وتمنحه مساحة من حضورها.
لكنني لا أريد أن أحول هذه الكلمات إلى لائحة أسماء.
لأن ما أريد قوله أكبر من ذلك.
خلال هذه التجربة، شعرت بشيء جميل جداً …خلف كل ضيف يصل بأمان، وكل موعد يتم في وقته، وكل باب يفتح، وكل إجراء يسهل، وكل ابتسامة تستقبل ضيفاً، هناك إنسان مغربي قام بدوره.
قد لا يعرف الضيف اسمه، وقد لا يظهر في أي صورة، لكن أثره هو ما يصنع جميع تفاصيل تلك الصورة المشرقة.
ولعل من أجمل ما يمنحه المهرجان لي شخصياً كل عام، أنه يجعلني ألتقي بأشخاص كنت أعرفهم فقط من خلال الشاشة، ثم أكتشف الإنسان خلف النجم، في أخلاقه، وتواضعه، ورقيه، وانضباطه، واحترامه للوقت، وحرصه على التفاصيل، واهتمامه بنجاح المهرجان.
وهذا العام، كانت الفنانة المصرية الكبيرة صابرين واحدة من اللقاءات التي ستبقى طويلاً في ذاكرتي. لقد لمسنا قبل أن نلتقيها صدق الفنانة المبدعة، و إذ شرفت المهرجان بحضورها، اكتشفنا أيضاً الإنسانة الراقية، الأنيقة في حضورها، المهنية في تعاملها، والجميلة في تفاصيلها.
وكذلك المنتج الكبير عامرالصباح ، الذي كان حضوره فرصة أخرى للتعرف إلى شخصية كبيرة، راقية، إنسانية ومتواضعة.
وهكذا، يصبح المهرجان بالنسبة إليّ سلسلة من الاكتشافات الإنسانية. كل دورة تترك في داخلي شيئاً جديداً. وكل دورة تجعلني أكتشف أشخاصاً، وأعيد اكتشاف نفسي.
ولعل من أجمل ما بقي من ذكريات هذه الدورة أيضا هو أن عشرين ثقافة مختلفة اجتمعت في مكان واحد، ولم نشعر يوماً بأن الاختلاف يمكن أن يكون حاجزاً.
وها هم يغادرون، حاملين معهم ذكريات عن وجدة، وعن أهلها، وعن المغرب… صور ستسكن الذاكرة عن كرم المغاربة، ودفئهم، وقدرتهم على فتح الأبواب والقلوب. وذاك مكمن النجاح، وأصل المقصد: أن يأتي ضيف من أقصى مكان، ثم يعود إلى بلده محملاً بصورة جميلة عن المغرب، وأن يصبح سفيراً لهذه الصورة الجميلة دون أن نطلب منه ذلك.
ولا يفوتني والدورة الخامسة عشرة للمهرجان قد دخلت سجل التاريخ كواحدة من أنجح سابقاتها وأكثرهم غزارة في المشاركات والحضور، لا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى كل من ساهم في إنجاح المهرجان.
فشكراً وجدة، وشكراً لأهلها الطيبين الذين يفتحون قلوبهم لضيوفهم دورة بعد أخرى.
وشكراً لشبابها الذي يقترب أكثر، ويشارك أكثر، ويؤكد أن المستقبل يصنعه أبناؤه.
وكل الشكر والإحترام والتقدير لمسؤولي جهة الشرق ومدينة وجدة، وعلى رأسهم السيد الوالي، على انفتاحه الكبير، وحرصه الصادق على إنجاح هذه الدورة، وعلى تواصله الدائم والراقي وفتحه الأبواب أمام المهرجان وضيوفه. حضور المسؤول حين يكون بهذا القرب والاهتمام، يصنع فرقاً حقيقياً ويمنح للنجاح معنى آخر
وشكراً لكل مؤسسة وإدارة ووزارة وسفارة ومطار، ولكل شخص اشتغل معنا، ولو من خلف الستار.
وشكراً لكل الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية في المغرب وخارجه الذين واكبوا هذه التجربة ونقلوا صورتها إلى الآخرين.
وشكراً خاصاً لكل ضيوفنا الذين جاءوا من بلدان وثقافات مختلفة، ثم غادروا وهم يحملون شيئاً من المغرب في قلوبهم.
وأخيراً، شكراً للقامة المهنية والإنسانية، الأستاذ خالد سلي، رئيس جمعية سيني مغرب و مدير المهرجان، الذي يسهر على هذه المغامرة عاماً بعد عام، ويتحمل تفاصيلها ومسؤولياتها، حتى أصبح للمهرجان روح وهوية وذاكرة.
قد تنتهي الدورة.
وقد تغادر الطائرات.
وقد تعود القاعات إلى هدوئها.
لكن الحكايات ستبقى.
والصداقات ستبقى.
والصور ستبقى.
والرسائل ستبقى.
وسيبقى في داخلي شيء من وجدة.
وربما سيبقى في وجدة شيء مني.
لأن أجمل ما يمكن أن يفعله مهرجان سينمائي ليس أن يترك فيك فيلماً واحداً فقط…
بل أن يترك أناساً لا تنساهم، ومدناً تصبح جزءاً منك، وذكريات تعود إليك كلما ابتعدت عنها.
وهذا، بالنسبة إليّ، هو المهرجان الدولي للفيلم المغاربي بوجدة.
كنزة بوعافية
المسؤولة عن الصحافة والتواصل

إرسال تعليق